ابن أبي الحديد

423

شرح نهج البلاغة

أو قحط عام ، أو مطر دائم ، ونحو ذلك من الأمور التي لا تخص إنسانا بعينه ، وقد قدمنا في ذلك الفصل ما يدل على تصويب هذا الرأي ، وإفساد ما عداه . * * * الأصل : ومنها في صفة الملائكة : ثم خلق سبحانه لإسكان سماواته ، وعمارة الصفيح الأعلى من ملكوته ، خلقا بديعا من ملائكته ، وملأ بهم فروج فجاجها ، وحشى بهم فتوق أجوائها ، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس ، وسترات الحجب ، وسرادقات المجد ، ووراء ذلك الرجيج الذي تستك منه الاسماع سبحات نور تردع الابصار عن بلوغها ، فتقف خاسئة على حدودها . وأنشأهم على صور مختلفات ، وأقدار متفاوتات ، أولى أجنحة تسبح جلال عزته ، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه ، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به ، بل عباد مكرمون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . جعلهم الله فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه ، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه ، وعصمهم من ريب الشبهات ، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته . وأمدهم بفوائد المعونة ، وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة ، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده ، ونصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده ، لم تثقلهم مؤصرات الآثام ، ولم ترتحلهم عقب الليالي والأيام ، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم ، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم ، ولا قدحت قادحة الإحن فيما بينهم ، ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم ، وما سكن من عظمته